أهمية موقع قلعة شنان لدرسات العصر الحجري الحديث في منطقة شندي

بسم الله الرحمن الرحيم

أهمية موقع قلعة شنان لدراسات العصر الحجري الحديث في قطاع شندي

 

 

 

جامعة شندي 

كلية الآداب

قسم الآثار والمتاحف

 

 

 

 

 

 

           عبد المنعم أحمد عبد الله    ت. 0912130584                   

أحمد حامد نصر حمد      ت.   0912409983

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                           ملخص الدراسة

درجت دراسات العصر الحجري الحديث في اقليم النيل الأوسط على محاولة صياغة السمات العامة لهذه المرحلة الثقافية، والتي ظهرت ملامحها من خلال دراسات آكل (1949 – 1975م) في منطقة الخرطوم، وقد عملت الدراسات التي تلت أعماله على مناقشة التطور الذي شهده هذا العصر من خلال كمية ونوعية المحتوى الثقافي (Haaland 1981 – 1995, Krzyzaniak 1978 1989, Marks 1982 – 1993, Mohammed- Ali 1978 – 2003, ElMahi 1981 – 2000, Canneva 1988 – 1993, Frenandez 1998 – 2003, Magid 1988 – 2003, Geus 1981 – 2009 and Sadig 1999 - 2010) وقد ظهرت في تلك الدراسات مراحل تطورية أسمتها بعض الدراسات الفترة الفاصلة ما بين العصر الحجري القديم والحديث والبعض الآخر أطلق عليها العصر الحجري الوسيط، ومثلها موقع الخرطوم الباكرة ومثيلاته في السودان الأوسط، كما أن الدراسات في المنطقة شمال الخرطوم وحول منطقة شندي أي ما يمكن أن نسميه (قطاع شندي) كشفت عن تطور ثقافي مثيل بما ظهر حول منطقة الخرطوم، نهر عطبرة والبطانة، مما كشف عن انتشار جغرافي واسع للعصر الحجري الحديث مع التباين في المحتوى الثقافي. (Sadig.2010:34).

نحاول في هذا الجانب استخلاص السمات المشتركة لهذه المرحلة بين منطقة شندي ومناطق اقليم النيل الأوسط من خلال حفريات موقع قلعة شنان، الذي يقع في مدينة شندي جنوب موقعي الكدادة والغابة والصور وشمال مواقع الخرطوم وغرب مواقع البطانة، لا سيما أن موقع قلعة شنان يتصف بمظهر الأرض الشبية جغرافياً وجيولوجياً بوضعية تلك البقاع الجغرافية، ومحاولة كشف الاستمرارية الثقافية بين العصر الحجري الوسيط والعصر الحجري الحديث من التراصف الطبقي في موقع واحد، باستعراض المميزات الثقافية لكل مرحلة في الموقع مع مثيلاتها في وسط السودان (Canneva.1993:76) للتعرف على العلاقة الثقافية بين تلك المواقع بحسبان أن موقع قلعة شنان يمثل منطقة وسطى تساعد في قراءة طبيعة العلاقة الثقافية بين هذه المناطق ويفتح المجال للتساؤل عن الكيفية التي استمر بها التطور الثقافي والعوامل التي ساعدت في ذلك من مكونات البيئة الطبيعية بمواردها حول منطقة شندي، ودوافع التغير والانقطاع الثقافي بين مراحل الهولوسين الثلاث (Clark.1984:118)، لا سيما أن موقع قلعة شنان يقع في مصبات الأودية التي تنزل من البطانة، ونود في ذلك محاولة كشف الرابط الثقافي بين منطقة شندي والبطانة من خلال تشابة وتباين المادة الأثرية بين المنطقتين، للتعرف على مدى تأثير البيئة المحلية في التنوع الثقافي، وتأثير ذلك على طبيعة الاستيطان ومحدداته، وتجعل الدراسة من استعراض المادة الأثرية بالموقع محور لمناقشة التمركز الاستيطاني والتحول الثقافي الذي لازم انتقال الفترة الزمنية في السودان من العصر الحجري الوسيط إلي العصر الحجري الحديث. (Barich.1998:114).

 

 

 

       موقع قلعة شنان     ً098   َ25  ْ033 E  ً139  َ41  ْ15 N

يقع موقع قلعة شنان شمال الخرطوم بحوالي (176) كلم  وجنوب غرب مدينة شندي بحوالي (1,5) كلم ويبعد (1) كلم شرق النيل. (خريطة رقم 1). جنوب غرب موقعي الكدادة والغابة بحوالي (8) كلم وشمال غرب موقع شق الدود بحوالي (37) كلم. (According to G P S Reading ) (خريطة رقم 1).

 

            (خريطة رقم1 توضح موقع قلعة شنان في قطاع شندي)

وهو عبارة عن مرتفع يتكون من ثلاث تلال (Mound A, Mound B and Mound C) يمتد الكومين (A, B) في مساحة (800) متر في الطول من الشمال إلي الجنوب ويفصلهم خور أم جقيمة الذي يأتي من الشرق إلي الغرب، ويرتفع الكوم (A) حوالي (378) متر عن مستوى سطح البحر وحوالي (5) متر عن محيطة ويرتفع الكوم (B) حوالي (376) متر عن مستوى سطح البحر وحوالي (3) متر عن محيطه وتحصر الكومين (A,B) الأراضي الزراعية مع المباني السكنية في مساحة بعرض (350) متر من الشرق إلي الغرب، أما الكوم (C) فهو عبارة عن تل طفيف الارتفاع يمتد في مساحة (300x600) متر في وسط مباني مربع (8) (حي الزهور) بمدينة شندي. (شكل رقم 1).

 

(شكل رقم 1) يوضح طبوغرافية موقع قلعة شنان

سمي موقع قلعة شنان بهذا الاسم نسبة إلي رجل يدعى شنان، سكن هذه المساحة في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي ويطلق على الموقع بعض الأسماء من الأهالي منها (ديم القلعة). (الصادق.12:2003).

وهناك الكثير من الروايات الشفهية حول تاريخ الموقع خلال الفترة الإسلامية، ويؤكد ذلك ظهور بعض المباني الطينية والدفنات الاسلامية على سطح الموقع، غير أن الغالبية العظمى من الدلالات الأثرية على سطح الموقع يشغلها انتشار شقف الفخار والأدوات الحجرية وبعض القواقع والعظام المثيلة بما هو موجود على مواقع العصر الحجري الحديث في صورة متبعثرة على التلال الثلاث ويمثل (Mound B) أكثر هذه التلال تركزاً لانتشار اللقى الأثرية، وقد أثرت العوامل الطبيعية والبشرية من الرياح والزراعة وتغول المباني السكنية على اخفاء الكثير من الموقع.

 

تاريخ العمل الآثاري بالموقع:

على الرغم من وجود الموقع جغرافياً في منطقة نشطت عليها الأعمال الآثارية، لكنه لم تقم فيه أعمال ميدانية، ولم يأتي ذكرة بصورة رسمية، فقط اشارات لوجود انتشار لبقايا العصر الحجري الحديث في منطقة شندي، والتي ذكرتها أعمال فرانسيس قيوس وادوارد (Geus 1984 and Edwards 1989) وقد اكتشف الموقع رسمياً من خلال مسوحات الهيئة العامة للآثار والمتاحف مع جامعة شندي في العام 1998م وتم اختبارة في العام 1999م. (الصادق.13:2004)، وجرت الحفريات في الموقع بصورة مستمرة من الأعوام (2000 – 2009م) على يد الأستاذ الراحل صلاح عمر الصادق، والتي أسفرت عن كم ثقافي كبير لفترة العصر الحجري الحديث في موقع قلعة شنان، متمثل في (Mound B) والذي ظهرت عليه طبقات استيطانية ذات مدلولات ثقافية للعصر الحجري الحديث، مع دفنه غنية بالأثاث الجنائزي الشبيه بدفنات العصر الحجري الحديث في الكدرو.(Amerlagose – et-al.1978:412).

وكشفت تلك الحفريات عن ظهور تراصف طبقي لمخلفات العصر الحجري الحديث في (Mound C) والذي استمرت به الحفريات حتى العام (2009م) في صورة تنقيب دوري، ولم يتم اختبار (Mound A).

ولقد اتيحت لي الفرصة بالمشاركة في بعض المواسم (2006م) و(2009م)، كما عملت مع الأستاذ عبد المنعم أحمد عبد الله على اجراء موسمين في (Mound C) (2010 – 2011م).

إن التنقيبات الأثرية ركزت على (Mound C) خصوصاً المواسم المبكرة، التي نقبت مساحة تقدر (10X30) متر في الجزء الغربي من الموقع، إضافة إلي أن موسمي (2010 – 2011م) اختبرت (9) مربعات في وسط الموقع وشرقه من نقطة (Datum Point). (شكل رقم 2).

   

 

 

محتويات الموقع الأثرية:

نستعرض في هذا الجانب حصيلة الكم الثقافي، الذي يحتوي عليه موقع قلعة شنان، في محاولة لإلقاء الضوء على أهمية الموقع الأثرية لدراسات العصر الحجري الحديث في قطاع شندي، وإبراز هذه الأهمية من خلال مناقشة السمات العامة للموقع والتي تتمحور في الآتي:

1-حجم الموقع وموضعة الجغرافي يعكس مدى جاذبية قطاع شندي لإنسان العصر الحجري الحديث، بتوفر موارد الحياة الطبيعية، وتأثير ذلك في حجم الاستيطان البشري ونوعه.

2-هناك ثمة مؤشرات لاستمرارية ثقافية بين الفترة المبكرة والمتأخرة من العصر الحجري الحديث، يشير إليها العمق الطبقي في الموقع، وكمية ونوعية المحتوى الأثري.

 

(شكل رقم 2) يوضح مربعات التنقيب الأثري في (Mound C)

3-التماثل والتباين في المخلفات الأثرية يدل على تكيف خاص للنشاطات البشرية في موقع قلعة شنان، ويكشف عن العلاقة الثقافية بين الموقع والمواقع الأخرى في محيطة الجغرافي.

ينفرد موقع قلعة شنان بمساحة كبيرة، تدل على أن الاستيطان الذي شغلة خلال العصر الحجري الحديث، كان استيطاناً دائماً، علاوة على أن الوضعية الجغرافية للموقع في منطقة أكثر ارتفاعاً من محيطها في منطقة شندي، يشير إلي تكيف الإنسان خلال الهولوسين الأوسط مع جغرافية وبيئة شندي، إذ تحف الموقع سهول منبسطة خصبة وتأتيه أودية موسمية كبيرة من الشرق مثل وادي أم جقيمة. (شكل رقم 2)، كما يشير المظهر الطبيعي للموقع بأنه يحتل مرتفع على ضفة النيل وحافة الوادي وفي منطقة تتميز بانتشار التربة الطينية الخصبة والصخور، إذ تتوفر فيها المادة الخام لتصنيع الأدوات الحجرية، وعلى الرغم من تماثل (Mound C) مع موقعي الكدادة والصور في المظهر العام، إلا أن (Mound A,B) ذات وضعية خاصة، إذ تظهر هذه التلال على شكل مرتفعات من البقايا الأثرية، التي يبلغ ارتفاعها ما بين (3 – 5) متر عن محيطها. (شكل رقم 2). (Geus.1984:12).

كشف تراصف اللقى الأثرية في (Mound C) عن عمق طويل ما بين (120 – 140) سم إحتوى على ست مستويات تختلف عن بعضها من ناحية السياق الأثري كالآتي:-

المستوى الأول: من السطح  - 10 سم هو عبارة عن تربة رسوبية تشتمل على بعض المخلفات الأثرية من شقف الفخار غير المزخرف وبعض زخارف النقاط مع القليل من الأدوات الحجرية والصدف. (شكل رقم 3).

المستوى الثاني: (10 – 40) سم  يمثل هذا المستوى طبقة استيطانية من بقايا المنازل المبنية من الطوب اللبن (Mud Bricks) حجم الطوبة (7x17x36) سم مع بعض الحفر التي وجدت بها بقايا أعمدة في صورة أكواخ وغرف صغيرة ووجدت بهذا المستوى في بعض المربعات الجرار الكبيرة السوداء وطبقات حريق من العظام والرماد وبعض أدوات الرحى السفلى. (شكل رقم 3).

المستوى الثالث: (40 – 62) سم عبارة عن طبقة سكنية من بقايا المحروقات وشقف الفخار المزخرفة بزخارف النقاط المتعددة الأشكال وبعض الزخارف الهندسية المتنوعة مع الأدوات الحجرية الكبيرة من الصخور المثقوبة الدائرية والمكاشط وبعض المسننات المتراكمة حول بقايا حريق من الرماد والفحم. (شكل رقم 3).

المستوى الرابع: (66 – 88) سم يتشكل من طبقة طينية هشة مختلطة بشقف الفخار المزخرف بالنقاط المتعددة الأشكال والخطوط الدائرية وشقف الفخار غير المزخرف، مع كمية من القواقع والخرز وبعض أدوات الزينة والأشكال الطينية وقليل من العظام المحروقة. (شكل رقم 3). 

المستوى الخامس: (90 – 115) سم  عبارة عن طبقة طينية سوداء مع القليل من الرمل، وبها شقف الفخار المتنوعة من زخارف النقاط والخطوط بأشكالها المختلفة، مع هياكل شبه مكتملة من المحار النيلي والخرز المصنوع من القواقع والأدوات الحجرية ذات الأشكال المتعددة من المثاقب والشظايا والشفرات غير المكتملة الصنع، وأدوات الرحى العليا والسفلى. (شكل رقم 3).

المستوى السادس:  (116 – 130) سم يتمثل هذا المستوى في طبقة صلبة تتكون من الحصى الأبيض مع قليل من أدوات الشفرات المصنوعة من الكوارتز والأحجار الكريمة وشظايا من الصخر الرملي النوبي والصخر المحتوي على الحديد، وتكثر بهذا المستوى المسننات والنصال والأدوات الصغيرة (Microlithic) المتمثلة في الأهلة والمؤشر والنصال ذات الظهر وشقف من الفؤوس الحجرية، ووجدت بهذا المستوى العظام الحيوانية والإنسانية أكثر انتشاراً ، خصوصاً أن موسم (2010 م) كشف عن دفنة على عمق (130سم) في هذا المستوى شبيه بدفنات العصر الحجري الوسيط في موقع مستشفى الخرطوم. (Arkell.1949: 55)، وعادة ما يوجد في هذا المستوى في بعض المربعات بقايا هياكل بشرية غير مكتملة وفي البعض الآخر وجدت بقايا لنشاطات بشرية من حريق وشقف الفخار التي تطفو عليها زخارف الخطوط المموجة والنقاط المموجة. (شكل رقم 3). 

 

تمخضت عن تراتبية هذا المحتوى الثقافي، أن هناك استمرارية في الاستيطان بموقع قلعة شنان، إذ اشتملت هذه البقايا في الطبقات السفلى، على طبقات مماثلة لطبقات الفترة الفترة المبكرة من العصر الحجري الحديث في موقعي الغابة وشق الدود. (Marks.1991:52)، ويشابه السياق الآثاري للطبقات العليا مواقع الفترة المتأخرة للعصر الحجري الحديث في قطاع شندي، متمثلة في موقعي الكدادة والصور. (Sadig.2008:12)، والموقع في تراصفه الطبقي شبيه بموقع القوز الذي اشتمل على مميزات ثقافتي الخرطوم الباكرة والشاهيناب. (Arkell.1953:182) علاوة على أن تشابه مخلفات الطبقات فيما بينها، يكشف عن سلسلة زمنية للاستيطان بالموقع خلال فترة الهولوسين، كما أن التغير في مقتنيات كل طبقة عن الأخرى يشير إلي التطور الذي لازم ذلك التراتب الزمني، الأمر الذي يعكس مدى التغير الثقافي في الموقع وعلاقته بالتغير الثقافي في المواقع الأخرى في منطقة شندي. (Geus.1984:37).

 

المادة الثقافية:

الفخار:- من المتعارف عليه أن دراسة الفخار ذات أهمية قصوى وجوانب دراستها متعددة، ونكتفي في هذا المجال بمناقشة المحاور الأساسية للوصول إلي التطور التقني في صناعة الفخار في موقع قلعة شنان، حتى نستخلص السمات المماثلة للمواقع الأخرى، والتي تعيننا في توريخ الموقع الأثري، ومحاولة التعرف على السمات الفريدة وتتبع دلائل ظهورها بأنها ثقافة محلية في الموقع.( Mohammed-Ali & Susan. 1989:334)

كشفت الحفريات عن كميات كبيرة من الشقف الفخارية الكبيرة والصغيرة وتمثلت الأواني المكتملة في (2) الأولي صغيرة الحجم ومثقوبة في القاعدة ولا تظهر عليها زخارف وتم العثور عليها في العمق (60 سم) والثانية عبارة جرار كبيرة سوداء مزخرفة بحزوز قرب الشفة ووجدت في العمق (30 سم). (لوحة رقم 1).

 

وقد أظهرت الشقف الفخارية الكبيرة من الحافة، أن فخار موقع قلعة شنان يندرج في خمسة أنواع من فخار العصر الحجري الحديث منها السلطانيات الصغيرة ذات الفم المفتوح والسلطانية متوسطة الحجم ذات الفم الضيق. (شكل رقم 4)، وهذه الأشكال شبيهة بفخار موقعي الكدادة والصور، الذي يعود للفترة المتأخرة من العصر الحجري الحديث. (Sadig.2010:160).

إضافة إلي أن بعض الشقف كشفت عن وجود صناعة نوع من الكأس ذو الفم الكبير ومسلوب في الوسط مع وجود نوع من الجرار الكبيرة والسميكة وشكل شبيه بالصحن المجوف. (شكل رقم 4).

وتعتبر هذه الأشكال الخمسة أغلبها تم العثور على مثيلاتها في مواقع العصر الحجري الحديث المتأخر في قطاع شندي، غير أن شكل الصحن المجوف اشتهرت به مواقع المجموعة (أ) في شمال السودان. (Nordstroum.1972:83) وبعض الاشارات لهذا الشكل وجدت حول النيل الأزرق.(Frenandez.2004:68) . (شكل رقم 4).

ويمكن حصر فخار موقع قلعة شنان من ناحية الحريق والسطح في ثلاث أنواع:

 

1-الفخار الصلب – وهو أكثر الأنواع انتشاراً، غير أنه يختلف عن فخار موقع شق الدود في درجة الصلابة وعدم وجود حبيبات صخرية في المادة، التي صنع منها فخار موقع قلعة شنان، فقط التربة الطينية السوداء مع حبيبات الرمل الحصوية، ويندر الفخار المزركش في هذا النوع. (Canneva.1993:77).

2-الفخار الهش أو القابل للكسر- ووجد على نوعين أحدهما ناعم وغير سميك وليست عليه صلابة واضحة والثاني السميك الهش، ويعتبر هذا النوع من الفخار أكثر انتشاراً في الطبقات العليا من موقع شق الدود وموقع الكدادة، غير أن وجوده في موقع قلعة شنان دليل على ظهور بعض السمات التي لم تظهر في تلك المواقع، مما يشير إلي تغير في تقنيته المحلية. (Mohammed-Ali.1991:74).

3-وجد نوع من الفخار متوسط السمك وملمع على السطح الخارجي وهو فخار أحمر اللون وبعضه بني وتندر فيه الشقف السوداء وهو نادر وجد في الطبقات العليا ووجدت له بعض النماذج في الطبقات السفلى وكانت خشنة الملمس وسميكة.

أبدى التنوع في شكل الفخار ولونه ومتانته أن هناك مستويات في التقنية، تشير إلي تسلسل زمني للنشاطات البشرية في صنع الفخار في الموقع، يمكن الاشارة إليها بفخار مبكر وفخار متأخر وفق ما هو متعارف عليه من فخار مرحلتي العصر الحجري الحديث في السودان الأوسط. (Sadig.2009:43).

إضافة إلي التنوع في أشكال الزخرفة في موقع قلعة شنان، أوضح تطوراً ملحوظاً في صناعته وتدرجاً زمنياً في انتاجه، حيث يمكننا حصر زخارف موقع قلعة شنان في أربعة نماذج:-

1-زخرفة ثقافة الخطوط المموجة وتمثل 10% وقد ظهرت على السطح وتركزت في الطبقات السفلى، ووجدت منها الخطوط المموجة الكلاسيكية (Classic waves) والخطوط المموجة على شكل حلزوني (Serpentine waves) وعلى شكل العريشة (Arched waves) ووجدت معها النقاط المموجة، وهي شبيه بزخارف الخرطوم الباكرة. (Mohammed-Ali and Khabier.2003:35). (شكل رقم 5).

2-زخرفة الخطوط وتمثل 30% وجدت منها أشكال الخط الواحد المستقيم والخطوط المتعرجة والخطوط المنحية المتواصلة والخطوط الغائرة الرفيعة والسميكة، وهناك نوع من الخطوط الهندسية، وهذا النوع من الزخارف يشابه زخرفة فخار موقع الكدادة. (Geus.1984:33).(شكل رقم 5).

3-زخرفة النقاط وتمثل 45% وجد هذا النوع من الزخارف بعدد من الأشكال أكثرها النقاط المتراكمة والمستمرة على شكل خطوط والنقاط صغيرة الحجم والنقاط الغائرة والنقاط الجارفة ونقاط طبعات الأصابع والنقاط المتعرجة والمنحية (Canneva and Marks.1990:17)، وكانت أغلب الشقف الفخارية التي تظهر عليها زخارف النقاط حمراء وبنية اللون من نوع الفخار الصلب، ووجدت أكثر تركزاً حول المستويات العليا، وتماثل زخارف موقعي الكدادة والصور، مع تشابهها بزخارف موقع شق الدود (Midden) وبعض زخارف البطانة الشرقية. (Fattovitch.1984:72).(شكل رقم 5).

4-هناك نوع من الزخرفة متعدد الأنماط  يمثل 15% ويحتوي على زخارف نقاط هندسية مع خطوط ونقاط على شكل أقواس وبعض النقاط المثلثة وعلى شكل الحرف (v) وجد على الشقف السوداء والحمراء ويشابه زخارف العصر الحجري المتأخر في منطقة الخرطوم وبعض زخارف البطانة. (Mohammed-Ali.1985:234).(شكل رقم 5).

أظهر التنوع في زخرفة الفخار وألوانه وأشكاله وصناعة الفخار اليدوية، مدى علاقة موقع قلعة شنان بمواقع العصر الحجري الحديث بمراحله في قطاع شندي، وأبدى تواصلاً ثقافياً مع المواقع البعيدة عن النيل، على الرغم من ظهور بعض السمات المحلية مثل بعض الزخارف الهندسية على شكل خطوط غائرة وظهور الفخار المثقوب في القاعدة وكثرة الشقف السميكة وغير المزخرفة مع أن هناك اشارات لزخرفة الفخار الأحمر ذو الحافة السوداء، الذي يعكس علاقة الموقع بالفترة المتأخرة من العصر الحجري الحديث وتشابهه مع بعض الثقافات في شمال السودان مثل ثقافة المجموعة (أ) وثقافة عبكة.  (Nordstrom.1972:83).

 

 

الأدوات الحجرية:

على الرغم من كثافة بقايا الصناعات الحجرية على سطح الموقع وفي طبقات التراصف الأثري، إلا أنه يمكننا وصف الأدوات الحجرية في موقع قلعة شنان بنوعين من طراز الأداة الحجرية:

الأول: الصناعات الحجرية الصغيرة الحجم والمتنوعة الأشكال، وشملت الطبقات السفلى من الموقع منها على أدوات الأهلة الصغيرة والمسننات على شكل مؤشر ومثاقب وبعض الشفرات وإحتوت الطبقات العليا على مكاشط ومسننات كبيرة ومخارز وشظايا مسننة، وقد اكتسبت الأدوات الحجرية في موقع شنان درجات من الطرق والكشط والحدادة، كما ظهرت سمات التسنين وإعادة التسنين على المكاشط وبعض الشظايا في الطبقات السفلى. (Marks.1991:51) (شكل رقم 6). وقد ماثلت الأدوات الصغيرة تلك التي عثر عليها في مثيلات ثقافة الخرطوم الباكرة، خصوصاً الأدوات الحجرية في موقع قوز برة الذي يقع غرب موقع قلعة شنان.(Ahmed.1984:128)، كما أن الأدوات الحجرية المكتملة الصنع من المكاشط والمخارز وشقف الفؤوس الحجرية تشابه الأدوات الحجرية التي وجدت في مثيلات موقع الشاهيناب في اقليم الخرطوم.(Arkell.1953:59). (شكل رقم 6).

 

النوع الثاني: الأدوات الحجرية الكبيرة والمكتملة الصنع وقد ظهرت منها عدة أشكال مثل أدوات الرحى العليا والسفلى، والتي تختلف من ناحية المادة الخام من الصخر الرملي النوبي الأسود والخشن وبعض حجارة المرو، (Whiteman.1971:72) ووجدت منها مطارق من حجر الجرانيت وبعضها من الأخشاب المتحجرة وشبيه بما وجد في موقع الكدادة، كيفما أن الصخور الدائرية المثقوبة مثلت أكثر الأدوات الكبيرة ظهوراً بأحجامها المتنوعة وظهرت مصقولة ومسننة الجوانب، وإن اختلفت في دائرية الثقب، بعضها وجد مع دفنات والبعض الآخر وجد على السطح وداخل مستويات الحفر الآثاري.(لوحة رقم 2).

 

 

المكتشفات الأخرى:

يحتوي الموقع على مادة غنية بتعددها وتنوعها الثقافي، إذ تم العثور على دفنتين الأولى في (Mound B) وهي عبارة عن دفن على الشكل القرفصائي وغنية بالأثاث الجنائزي الذي تشكل من سوار من صخر المرو وبعض الخرز المصنوع من الأصداف وصخر القاشاني وأدوات حجرية صغيرة ووجدت الدفنة على عمق (70) سم. (الصادق.19:2003)، وهي شبيه بدفنات العصر الحجري الحديث في موقعي الكدرو والكدادة من ناحية الأثاث الجنائزي ووضعية المتوفى. (Amerlagos.1978. :413). (لوحة رقم 3).

ووجدت دفنة أخرى مثيلة بالأولى في (Mound C) في موسم (2010 م) يرقد المتوفى على شكل القرفصاء الرأس جهة الشرق ويتجه الوجه جهة الجنوب ويرقد المتوفى على جانبة الأيسر، ووجدت معه أداة حجرية دائرية الشكل ومثقوبة في الوسط شبيه بالهراوة وبقايا آنية فخارية عليها زخارف النقاط المموجة في عمق (120 سم) وهي شبيه ببقايا الدفنات التي عثر عليها آركل في موقع مستشفى الخرطوم من ناحية وضعية المتوفى ونوعية الأثاث الجنائزي خصوصاً ظاهرة إزالة القواطع العليا من فك المتوفى. (Arkell.1949:53). (لوحة رقم 3).

 

 

 كشفت هذه الدفنات مدى أهمية الموقع وتنوع النشاط البشري عليه، لا سيما وجود الدفنات في الموقع الاستيطاني، كيفما أن اختلاف هذه الدفنات عن بعضها، عكس التمرحل الزمني الذي شغله الموقع منذ الفترات المبكرة للعصر الحجري الحديث وحتى نهاياته (Ambrose.1997:68)، وهذا ما يشير إلي استمرارية ثقافية للعصر الحجري الحديث في قطاع شندي، مقابل ذلك التردد الاستيطاني في اقليم الخرطوم، وأشارت بعض التماثلات الثقافية إلي نوع من الاتصال الثقافي بين المنطقتين داخل اقليم النيل الأوسط. (Sadig.2010:67).

إضافة إلي ذلك وجدت بطبقات الموقع العديد من العظام الكبيرة والصغيرة، والمحروقة وأظهر التعدد في أشكالها تنوع الغطاء الحيواني في الموقع، من الحيوانات البرية الكبيرة الحجم والصغيرة، ولم توجد هياكل لحيوانات مستأنسة بصورة واضحة، عدا بعض المؤشرات لعظام الماعز والأبقار، كما أن هناك غموض في ظاهرة استئناس النباتات، على الرغم من وجود أدوات الرحى بكثرة وبعض قطع النباتات المتحجرة، ولكنها تفتقر إلي المادي الواضح والذي يشير إلي استغلال أمثل للزراعة والرعي. (Haaland and Magid.1995:62).

وقد ظهرت أنواع متعدد من القواقع وبعض الأشكال الطينية المحروقة غير المكتملة، ووجدت أغلب هذه المواد الثقافية في طبقات الحريق ومعظمها مهشم، خصوصاً بعض قطع أداة الشفة الصغيرة، وأشارت هذه المقتنيات إلي استغلال إنسان قلعة شنان للبيئة النيلية ومحيطها من الصخور والقواقع والأسماك، التي ظهرت عظامها بصورة كبيرة والصيد البري، مع أن هناك بعض القطع الأثرية التي يبدو أن مادة صنعها جلبت من خارج منطقة شندي. (Geus.1984:41).

 

 

 

 

خلاصة:

أثمرت تنقيبات موقع قلعة شنان، عن انتشار واسع لنشاطات إنسان العصر الحجري الحديث في منطقة شندي، وكشفت كمية ونوعية المقتنيات الأثرية في الموقع عن نشؤ مستوطنة بحجم كبير، استغلت الموارد الطبيعية المحيطة بالمنطقة، وكانت لها صلات ثقافية مع مثيلاتها في قطاع شندي، وانفردت ببعض السمات الثقافية التي كشفت عن تكيف خاص للنشاط البشري في موقع قلعة شنان.

إن النتوع في المادة الأثرية لموقع قلعة شنان مؤشر على تأثير المناخ في التغير الثقافي بالموقع، وذلك ما يشير إلي أن هناك مواقع بديلة للموقع في بعض الفترات، على الرغم من العمق الطبقي للموقع الذي انفرد به عن مثيلاته على النيل، ولا يشابهه في طول التراصف الطبقي عدا موقع شق الدود في البطانة الغربية، إضافة إلي أن موقع قلعة شنان يعتبر من المستوطنات الدائمة، التي استغلت الموقع في الدفن داخل موقع الاستيطان.

وعليه إن هذه السمات الثقافية بجانب المميزات التقنيه المتنوعة في موقع قلعة شنان، مؤشر للتطور الثقافي وضخامة الاستيطان البشري، وأن الموقع من مستوطنات العصر الحجري الحديث ذات العلاقات واسعة النطاق مع مناطق السودان الأوسط، ولها نشاطات محلية نتجت عنها بعض السمات الثقافية الفريدة، لا سيما أن التنوع في اللقى الأثرية بين وحدات الموقع (Mound A, B and C) يشير إلي تغير في استغلال جوانب الموقع ولربما كانت مستوطنات منفصلة عن بعضها في فترة زمنية واحدة، أو مستوطنة واحدة لكنها تستغل مساحات الموقع في جوانب متعدد من النشاط البشري. (Close.1987:48).

وعلى الرغم من اتساع دائرة التنقيب في موقع قلعة شنان، ما زال هناك الكثير من أطراف الموقع وبعض الأجزاء المرتفعة لم يتم اختبارها ونأمل في إجراء الحفريات فيها في الوقت القريب بإذن الله، ومحاولة توسيع مجال المسح الأثري في منطقة شندي على النيل جنوب موقع قلعة شنان لاكتشاف تدرج العلاقات الثقافية لفترة العصر الحجري الحديث التي تربط منطقة شندي بمنطقة الخرطوم والبطانة جغرافياً، في سبيل تأكيد تركز الاستيطان البشري خلال هذه الفترة على النيل مع استغلال الأودية والسهول البعيدة عنة في فترات زمنية متعاقبة. (Haaland.1984:42).

 

 

 

 

التعليقات
  • كتب من طرف اسامة:

    علي القائمين في الهيئة توعية المواطنين في المحافظة على الموقع

التعليقات

إضافة تعليق

البحث
التصنيفات
إعلان
إعلان مدونات عبر
مقالات
    ahmedkabushia
    التقويم
    « أكتوبر 2016 »
    أح إث ث أر خ ج س
                1
    2 3 4 5 6 7 8
    9 10 11 12 13 14 15
    16 17 18 19 20 21 22
    23 24 25 26 27 28 29
    30 31          
    التغذية الإخبارية